السيد محسن الأمين
409
أعيان الشيعة
الاطلاق والأسر ، وقوله أسرت معنى ردئ لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب لا الفراق ، فإن لم يكن مأسورا قبل الفراق فما كان هناك حب فلم حضر للتوديع وما كان وجه البكاء والاستهلال والوجل الذي ذكره في البيت السابق بقوله : ولو تراهم وإيانا وموقفنا * في موقف البين لاستهلالنا زجل ( وأقول ) نسبة الأسر إلى القلب مجاز ، وكما يقال أسره الحب يقال أسره البين والفراق ، بل لعل الثاني أكثر ، وهو عبارة عن تعلق القلب بالظاعن وشدة الشوق للقياه ، ولا شك أن هذه الحالة تكون عند الفراق أشد منها قبله ، فيناسب كثيرا نسبة الأسر إلى الفرق فاعتراض الآمدي ساقط بارد . 31 - قال : ومن خطائه قوله . ما لامرئ خاض في بحر الهوى عمر * إلا وللبين منه السهل والجلد قال الآمدي : وهذا عندي خطأ إن كان أراد بالعمر مدة الحياة لأنه اسم واحد للمدة بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه عمر ، كما لا يقال ما لزيد رأس إلا وفيه شجة وما له لسان إلا وهو فصيح وكذلك لا يقال : ما له عمر إلا وهو قصير ، وإنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد مثل : ما له ضلع إلا مكسورة . ( وأقول ) فرق بين قولنا ما لامرئ خاض في بحر الهوى عمر وقولنا ما لزيد عمر أو رأس ، فالأول ليس مخصوصا بشخص خاص بل هو عام بمنزلة قولنا ما عمر من الأعمار ، فسقط الاعتراض . 32 - قال الآمدي : وقال في علي بن الجهم . هي فرقة من صاحب لك ماجد * فغدا إذابة كل دمع جامد فافزع إلى ذخر الشؤون وغربه * فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد وإذا فقدت أخا ولم تفقد له * دمعا ولا صبرا فلست بفاقد بعض جهد الجاهد أي بعض جهد الحزن الذي جهدك ( يقال جهد دابته أي بلغ جهدها ) ولو كان استقام له بعض جهد المجهود لكان أحسن ، وقد جاء فاعل بمعنى مفعول كعيشة راضية بمعنى مرضية ولمح باصر أي مبصر فيه لكنه ليس بقياسي ( وأقول ) يجوز أن يكون الجاهد من جهد بمعنى جد حتى بلغ أقصى جهده وطاقته واستعمل فيمن بلغ أقصى جهده في الحب . قال وقوله : فلم تفقد له دمعا ولا صبرا من أفحش الخطأ لأن الصابر لا يكون باكيا والباكي لا يكون صابرا ، ومعناه إذا فقدت أخا فأدام البكاء عليك فلست بفاقد وده وإخوته وهو محصل لك غير مفقود وإن كان غائبا عنك وهذا أراد إلا أنه أفسده بذكر الصبر مع البكاء ، وذلك خطأ ظاهر ، ثم قال : وذلك غفلة منه عجيبة ، وأطال في ذكر توجيهات متسعفة وردها ( وأقول ) الخطأ من الآمدي والغفلة منه فأبو تمام يقول : ( وإذا فقدت أخا فلم تفقد له دمعا ) أي لم تبك لفقده فان الباكي يفقد دمعه فيخرجه من عينيه وينثره على خديه وغيرهما ، ولذلك عبروا عن ترك البكاء بصيانة الدمع كما قال أبو تمام على مثلها من أربع وملاعب أذيلت مصونات الدموع السواكب وعبر عن الحزن بفقدان الدمع ليطابق قوله ( وإذا فقدت أخا ) ( ولا صبرا ) أي لم تفقد صبرك فتحزن لفقده . فأي غفلة من الآمدي أعجب من هذه ، وصدق فيه : أساء فهما فأساء إجابة . 33 - قال الآمدي وقال أبو تمام لما استحر الوداع المحض وانصرمت * أواخر السير إلا كاظما وجما رأيت أحسن مرئي وأقبحه * مستجمعين لي التوديع والعنما ( العنم ) شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية الواحدة عنمة كأنه استحسن إصبعها واستقبح إشارتها اليه بالوداع ، وهذا خطأ في المعنى ، أتراه ما سمع قول جرير . أتنسى إذ تودعنا سليمى * بفرع بشامة سقي البشام فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعته به فسر بتوديعها ، وأبو تمام استحسن إصبعها واستقبح إشارتها ، ولعمري إن منظر الفراق منظر قبيح ، ولكن إشارة المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب وأقلهم معرفة بالغزل وأغلظهم طبعا وأبعدهم فهما ( اه ) ( وأقول ) أراد بأقبح مرئي منظر الفراق الذي اعترف الآمدي بأنه منظر قبيح ، والذي قال أبو تمام في البيت الأول أنه أوجب الكظم والوجوم . ولم يرد به إشارتها ببنانها إليه بالوداع ، وجرير دعا للبشام لشبهه بأناملها إذ ودعته ، وهذا الذي قال عنه أبو تمام انه أحسن مرئي . فقوله لا يستقبحه إلا أجهل الناس بالحب إلى آخره ، لا يصدر إلا من أجهل الناس بمعاني الشعر . 34 - قال الآمدي : وقال أبو تمام . فلويت بالمعروف أعناق الورى * وحطمت بالانجاز ظهر الموعد حطم ظهر الموعد بالانجاز استعارة قبيحة جدا ، والمعنى في غاية الرداءة لأن انجاز الموعد هو تصحيحه وتحقيقه ، وحطم ظهره انما يكون إذا أخلف الوعد وقال أبو تمام : إذا وعد انهلت يداه فأهدتا * لك النجح محمولا على كاهل الوعد فهذه استعارة صحيحة وان كان كاهل الوعد قبيحا ، قال ومثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله : إذا ما رحى دارت أدرت سماحة * رحى كل إنجاز على كل موعد والمعنى الصحيح قوله : أبلهم ريقا وكفا لسائل * وأنضرهم وعدا إذا صوح الوعد ومثله في الصحة قوله : تزكو مواعده إذا وعد امرءا * أنساك أحلام الكرى الأضغاثا أما قوله : نؤم أبا الحسين وكان قدما * فتى أعمار موعده قصار وقول البحتري : وجعلت فعلك تلو قولك قاصرا * عمر العدو به وعمر الموعد فان عمر الموعد مدة وقته فإذا أنجز صار مالا فنفاد وقته ليس بمبطل له بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى ، ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا المعنى وجاء بالامر من فصه فقال : يوليك صدر اليوم ما فيه الغنى * بمواهب قد كن أمس مواعدا ثم اتبع البحتري هذا البيت بقوله : شيم السحائب ما بدأن بوارقا * في عارض إلا انثنين رواعدا